يجب أن نستمر في تطوير المناهج القائمة ووضع برامج لتأهيل أفضل المعلمين لقيادة المدارس وإعطائهم الصلاحيات والحوافز التي تجعل القيادة جاذبة لأفضل الكفاءات سواء في المدارس

أو الجامعات، فلا تحسن وتفوق إلا بقيادات واعية حريصة على التطوير والتحديث..

جميع الدول التي وصلت إلى العالم المتقدم وصلته من خلال بوابة التعليم بصرف النظر عن العوامل الأخرى المساندة، لكن إصلاح التعليم من أصعب المهام من حيث التنفيذ والتكلفة، فوزارة التعليم هي الأكبر من حيث العدد والأهم من حيث المسؤولية والأصعب من حيث التطوير والإصلاح، ذلك أنها تهتم بالإنسان في أخطر مراحل حياته، ووزارة التعليم ومسؤولوها هم الأكثر تعرضاً للنقد من قبل الإعلام وأولياء الأمور، بل ومن داخل الوزارة نفسها، فكل ينظر إلى ما تقوم به الوزارة من زاويته وينسى في نفس الوقت مسؤوليته تجاهها وأنه جزء مهم من منظومة التعليم البالغة الأهمية.

من يدرس أسباب تميز التعليم في الدول المصنفة في المراتب الأولى مثل فنلندا وسنغافورة واستراليا ونيوزيلندا وبقية الدول المتقدمة يجد أنه لم يتم بين يوم وليلة ففي فنلندا بدأ الاهتمام بالطفل منذ العام 1930 حين أنشأت الحكومة «صندوق الطفل» لتوفير كل مستلزمات الأم وطفلها منذ مراحل الحمل وتوفير كل المستلزمات الضرورية للطفل مجاناً ولجميع طبقات المجتمع ومنها الكتب والألعاب والغذاء والكساء وضمان الإجازات للأمهات بعد الولادة حتى تتفرغ لتربية الطفل والعناية بصحته البدنية والنفسية.

ومن الأسرار المهمة لنجاح التعليم في تلك الدول هو حسن اختيار المعلمين وتأهيلهم وهذه من أصعب وأهم المراحل، فلا تعليم متميز دون معلم متميز.

الجانب الآخر المهم هو المنهج الدراسي فلم يعد التعليم الحديث يهتم بمقدار ما يحفظ الطالب، فالحاسب الآلي يستطيع أن يقوم بذلك بشكل أفضل، ولذا تم اختصار المناهج وأعطي المعلمون حرية أكبر في اختيار الموضوعات ومناقشتها داخل الفصل وطريقة إيصالها إلى الطلبة بشرط أن تحقق الأهداف التي وضعت من قبل الوزارة، كما أصبح اللعب والمرح جزءاً مهماً من التعليم خاصة في المراحل الأولى حيث يتعلم الطفل الكثير من المهارات والسلوك عن طريق اللعب ففي فنلندا على سبيل المثال يعد المرح واللعب ركناً أساسياً في المدارس ويعطى الطلاب وقتاً للعب بين كل حصة وأخرى في حدود خمس عشرة دقيقة من اللعب لتجديد النشاط ويكون له علاقة بأهداف التعليم من مهارات التواصل والتعاون وروح الفريق ونظافة البيئة وغيرها.

المملكة اليوم تمر بمرحلة تحول كبرى هي الأهم في مسيرتها ومنذ وحدها الملك عبدالعزيز يرحمه الله، ومن أهم مراحل هذا التحول تحقيق رؤية المملكة 2030 والبرامج والمبادرات التي أطلقت في سبيل تحقيقها، لكن كل هذه الجهود لن تتحقق بنسبة عالية إلا بمساهمة التعليم الجاد والفاعل في تنفيذها فجودة الحياة والرعاية الصحية والأمن والمواطنة والخدمات كالسياحة والحج والعمرة كلها تعتمد على الإنسان ومدى تفاعله وتهيئته للقيام بهذه الأعمال والمسؤوليات، كما أن جميع القادة الذين سيتولون الإشراف على تلك البرامج والمبادرات وتحقيق الأهداف هم خريجو تلك المدارس والجامعات.

كل ذلك يقودنا إلى جعل التعليم في سلم أولويات الدولة بكل مؤسساتها، سواء من حيث بناء المدارس النموذجية التي تستوعب الأنشطة الرياضية والفنية والعلمية، أو في وضع برنامج وطني بعيد المدى لتأهيل المعلمين والمعلمات على غرار ما تقوم به فنلندا التي جعلت شهادة الماجستير شرطاً في ممارسة التعليم منذ مرحلة رياض الأطفال.

أما في الوقت الحاضر فيجب أن نستمر في تطوير المناهج القائمة ووضع برامج لتأهيل أفضل المعلمين لقيادة المدارس وإعطائهم الصلاحيات والحوافز التي تجعل القيادة جاذبة لأفضل الكفاءات سواء في المدارس أو الجامعات، فلا تحسن وتفوق إلا بقيادات واعية حريصة على التطوير والتحديث ولذا أرى أنه من المهم إنشاء معهد قادة خاص بوزارة التعليم تبحث فيه عن الكفاءات القيادية المتميزة وتأهيلها للنهوض بالتعليم.

ومن المهم تحرير المسؤولين في التعليم من الروتين اليومي الذي يستهلك معظم أوقاتهم حتى يتفرغوا للتطوير والتحديث، مع إسناد الكثير من المهام المساندة كبناء المدارس وصيانتها وصحة الطلبة لجهات مختصة.

الضعف الواضح في مستوى خريجي المرحلة الثانوية والجامعية الحالي ناتج عن عوامل كثيرة وقرارات اتخذت عن حسن نية في أوقات سابقة بعضها منذ أكثر من ثلاثين سنة كتوطين الوظائف بنسبة 100 % وتفريغ المدارس من الكفاءات الأجنبية المتميزة والسماح لكل متقدم بممارسة التعليم بصرف النظر عن كفاءته وقدرته على إيصال المعلومة.

التعليم هو العامل الحاسم في نجاح جهود الدولة لتحديث المملكة وتنويع اقتصادها وجودة الحياة ونمط العيش فيها، وكل ريال يصرف على التعليم سيعود أضعافاَ مضاعفة على كل البرامج المصاحبة لتحقيق الرؤية.

  • لواء طيار متقاعد